نبذة عن حياته    
 

المدرسة الأثرية وتأثيرها في الحياة الأدبية :

        ظل النظام السائد في التعليم منذ نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين هـو نظام الكتاتيب ، ونظـرا لحالة عدم الاستقرار في الحياة العامة ، فقد انعكس ذلك علي الحياة الثقافية ، باستثناء ما وصلنا من الشعر وأخبار بعض الشعراء في تلك الفترة ، وأهم هؤلاء الشعراء هو الشيخ جاسم بن محمد مؤسس دولة قطر، الذي كان  شاعرا وعالما بأمور الدين وخطيبا وقاضيا ، ويفد  علي قطر في تلك الفترة الشاعر النجدي محمـد بن عثيمين الذي يلازم الشيخ جاسم بن  محمد ، وتلتقي ميولهما الأدبية فتقوي هذه الصداقة.  

وقد حظيت المدرسة الأثرية بالرعاية الكاملة من الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني  ، وكان من رعيلها الأول الرجال الذين أسهموا فيما بعد في إثراء الحياة الأدبية والثقافية في قطر .

 وكان سبب نجاح المدرسة الأثرية ونوعيات خريجيها المتميزة هو أساليب التدريس فيها ، فكانت هذه المدرسة تشجع الطلاب علي البحث والدراسة من خلال طريقة المشكلات .. فكان الشيخ ابن مانع يطرح علي طلابه مشكلة علمية في مجال علوم الدين أو اللغة أو التاريخ ثم يطلب منهم البحث عن المشكلة في الكتب والمراجع والمصادر المعرفية الأخرى ، فيبدأ طلابه بجمع المعلومات الخاصة بالمشكلة ويقوم الشيخ بطرح ماجمع من معلومات حولها ويعرض الموضوع للمناقشة والتحليل والتعليق حتى يصل مع طلابه إلي معرفة أطراف المشكلة وجوهرها وحلها ودور الشيخ بن مانع هو التوجيه والإرشاد.

بهذه الطريقة تخرج علي يديه طلبه أصبحوا بلا شك من العلماء والمبدعين والمتفوقين ذلك لأنه كان يدربهم أثناء تعليمهم علي تدريس الطلبة الآخرين الأقل منهم في المستوي كما كان يدربهم علي إلقاء دروس نموذجية في المدرسة ، ويدربهم أيضا علي إلقاء خطب الجمعة في المساجد والأماكن العامة بقصد توعية الناس وتثقيفهم ، وكان يتم ذلك تحت إشرافه إذ كان يسجل ملاحظاته وإرشاداته بعد العودة إلي المدرسة ، ويعقد حلقة يتم فيها النقاش وبيان نقاط القوة ونقاط الضعف سواء في الخطبة أو الدرس.

كان الشيخ ابن مانع يهدف من وراء ذلك إلي إيجاد جيل من الشباب يتحمل مسؤوليات قيادية في المجتمع القطري ، وحرصا من الشيخ علي توفير المراجع والكتب الهامة لطلابه سعي في تكوين مكتبة في المدرسة احتوت علي عدد كبير من الكتب جمعها من المتبرعين من الأثرياء ، أو اشتراها من تبرعات الناس وأولياء الأمور(20).

كان للشيخ محمد المانع معارف كثيرين في بلدان الخليج والجزيرة والشام ومصر ، ولقد أفاد من حوله من تلاميذه ومعارفه ومكتبة المدرسة الأثرية ، حيث حصل علي كل ماكان يطبع من كتب جديدة في الشام ومصر .  ونري ذلك من خلال مكاتباته مع الشيخ عبد الله الخلف الدحيان علامة الكويت ، وكذلك مع الشيخ عبد القادر بدران عالم الشام  .(21) والشيخ محمد رشيد رضا (صاحب المنار) بالقاهرة الذي كان مكلفا بطباعة كتاب "الفروع " علي نفقة الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني في حدود 1342هـ وكان الشيخ المانع دائم الاتصال به لذلك الغرض وغيره(22)

نجح الجيل الذي تخرج من المدرسة الأثرية في استيعاب المواد التي برع الشيخ المانع في طريقة إلقائها علي طلابه حتي يتمكن الطالب من الإلمام الكامل بها ، وأحبوا الدراسة ونشأ منهم كتاب وشعراء ، وقضاة أجلاء ، حتى من اتجه إلي التجارة والأعمال كانوا علي قدر كبير من النجاح. 

قام الأديب عبد الرحمن بن صالح الخليفي بتصنيف كتاب أدبي جمع فيه بعض المختارات الشعرية والأمثال والحكم والقصص التاريخية وسماه" بستان الأكياس والأفراد من الناس" ، ثم بعد قليل ظهر مصنف للشاعر والأديب عبد الرحمـن بن عبد الله  بن درهـم(-1362هـ)(23) " نزهة الأبصار بطرائف الأخبار والأشعار"  وهو مختارات شعرية  انتقاها الكاتب من الشعر القديم والحديث ، هذا بالطبع إلي جانب ماصدر في مجالس الشعر وخاصة الشعر النبطي الذي كانت الريادة فيه للشيخ جاسم بن محمد آل ثاني وقد طبع ديوان الشيخ جاسم عدة طبعات.   

 وماجد بن صالح الخليفي (1290-1325هـ) (24) ، ثم محمد بن عبد الوهاب الفيحاني (1325-1353هـ) وكان شاعرا رقيقا ، غلب الغزل علي شعره وتناقله الناس لرقته ، ويقال أن الحب أرهقه حتى توفي بعد مرض بالبحرين (25).

كما يرجع الفضل في هذه الصحوة الأدبية والثقافية ، وهذه المجالس المتميزة للشيخ جاسم بن محمد آل ثاني ، ومن بعده الشيخ  عبد الله بن جاسم الذي كان يمتاز بسعة الإطلاع وقوة الذاكرة ، وكان من أعلام زمانه في السياسة والأنساب والتاريخ .

أما الشيخ حمد بن عبد الله فقد رأي أن التعليم العصري أصبح ضرورة حتمية لابد منها ، فقرر البحث عن معلم كفء  لإنشاء أول مدرسة علي النظام الحديث سنة 1947 م ، فاستدعي الشيح محمد بن علي المحمود من أهالي الشارقة فافتتح مدرسة في حي الجسرة وسماها   مدرسة " الإصلاح الحمدية" نسبة إلي الشيخ حمد بن عبد الله ،. التحق بها في السنة الأولي خمسون طالبا قطريا، ومع تغير الظروف تطورت المدرسة بسرعة (26) .

والشيخ علي بن عبد الله الذي بفضله تم إنشاء المكتبات ، وشاع إقتناء الكتب ، وتم نشر عدد كبير من أمهات الكتب الدينية ، ودواوين الشعر العربي والخليجي ، وكانت توزع بالمجان فامتلأت المنازل بالمكتبات الخاصة ، وعمت الفائدة أغلب بلدان الخليج من هذه الثروة التراثية والثقافية(27)

هذه المظاهر كانت ترجمة للرغبة في التعلم ، والشغف بالأدب وحب البحث والدراسة الذي خلقه دخول الكتب اللازمة للدراسة بالمدرسة ، ومن ثم الرغبة في اقتناء الكتب ، وتكوين المكتبات الخاصة والتي اشتهرت بها قطر فما يكاد بيت يخلو من مكتبة ، أضف إلي ذلك مانتج عن نشر الكتب وتوزيعها .

وهكذا أصبح لتلك المدرسة مكتبة زاخرة بالكتب القيمة التي أفادت المترددين عليها من الراغبين في العلم والمعرفة ، ولم تكن أهمية هذه المكتبة ترجع إلي أنها أول مكتبة مدرسية تنشأ في البلاد فحسب ، بل إنها تعد أول مؤسسة تربوية تسهم بدور بارز في خدمة البيئة والمجتمع من ناحية ، وفي تطوير مفهوم العملية التعليمية من ناحية أخري ، إذ لم تعد الدراسة في المدرسة قاصرة علي مجرد التلقين والحفظ وإنما امتدت إلي مجالات البحث والتحليل. وقد أثمرت هذه الدراسة ، وقد ظلت المدرسة الأثرية ومكتبتها مفتوحة للمترددين عليها سعيا للعلم والمعرفة حتي عام 1938م (28). 



(20)   كامل عبد الرحمن غنيم : التعليم في قطر .—دـمشق : دار الجــليل ، 1992 م  ص 28-29     

  (21)محمد بن ناصر العجمي : علامة الكويت الشيخ عبد الله الخلف الدحيان .—الكويت : مركز البحوث والدراسات الكويتية  ، 1994  .  ص 138-140، 193-194 

(22)   المرجع السابق ص 138-139 

(23) عبد الرحمن بن عبد الله بن درهم 1290-1362هـ : ولد في الدوحة  وبعد  أن حفظ القرآن بعثه الشيخ  جاسم بن محمد إلي الرياض  فتتلمذ علي يد  الشيخ  عبد   الله بن عبد اللطيف آل الشيخ ، ثم عاد   بعد سنة إلي           الدوحة     

    فتتلمذ علي والده ، وكان شغوفا بدراسة الآداب وقراءة الأشعار                 

 

 

(24) ماجد بن صالح الخليفي 1873-1907 م من الخليفات من القبائل القطرية،  كان  طويل القامة ، فارسا اشترك مع الشيخ أحمد بن محمد آل ثاني في عدة   معارك .

  ( محمد عبد الرحيم كافود:  الأدب القطري الحديث ص 334-344) 

(25)  محمد عبد الرحيم كافود : الأدب القطري الحديث ص 62-90 

(26)  يوسف إبراهيم العبد الله : مرجع سابق ص311 

(27)  من الشعر القطري .--  الدوحة : مطابع قطر الوطنية .، 1969م   ص 3-5 

(28) شعبان عبد العزيز خليفة : المكتبات ومراكز المعلومات في قطر .—الدوحة :     جامعة قطر، 1992  م.   ص  25-26

 

 

 


                       14/26

1    2    3    4    5    6    7    8    9    10    11    12    13    14    15    16    17    18    19    20    21    22    23    24    25    26   

 
 
 
 
قام بإعداد هذا الموقع عبد الله عبد العزيز المانع

aalmana@hotmail.com

 
جميع الحقوق محفوظة لشركة المانع قطر للكمبيوتر

www.almanaqatarcomputer.com

Tel: +974 - 44360363 -Fax: +974 - 44361363 -P.O. Box: 2000-DOHA- QATAR